مفهوم انحطاط الثقافة وأنواع من الكتب حصدت نوبل في السخف – تقرير

.

عند وفاة الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني قالت الوزيرة الإسرائيليّة جولدا مائير مُعقّبةً على ذلك، إن اغتيال إسرائيل لغسان كان أشبه بالتخلص من لواء فكري مُسلّح! فغسان بقلمه كان يفعل ما يوازي فعل 1000 فدائي بعتادهم الكامل!

 

وبعد وفاة كنفاني قام الشاعر الكبير محمود درويش برثائه في (محاولة رثاء بركان) فقال أنّ جسد غسان لم يتناثر لحماً! بل تناثر يافا، وحيفا، وعكا وغزّة، فطوبى لذلك الجسد الذي يتناثر مُدناً!

كان غسان لواءً فكريّاً سخّر قلمه لأجل قضيّة كتب من أجلها وقدّم روحه فداءً لها، فكلماته ما هي إلا رصاصات اخترقت دفاعات العدو ودكّت حصونه، فكان لا بد من اغتيال هذا القلم الذي فعل بكلماته ما عجزت البنادق عن فعله!

 

أتساءل أنا هنا، لو بُعث الآن غسان حيّاً بيننا ما الذي سيقوله! كيف سيعلّق على حالنا ولا سيما حال الثقافة لدينا؟! ما الذي سيفعله حين يرى أسماء الكتب والروايات التي تصدرها دور نشرنا؟

حمداً لله أنه ليس هنا ليرى هذا، لأنه لو رأى ما وصلت إليه حال الكلمة العربيّة لقال أنّ كل ما فعلته قد ضاع سداً، وأن جهدي لم يذهب إلا هباءً منثورا.

غلاف كتاب واي من لوف مزز

(واي مين لوف مزز) اسم لرواية صدرت مؤخراً احتلت الساحة ونالت من الشهرة ما نالت. الرواية ذات غلاف لا يُخاطب إلا الجانب الغريزي من الإنسان والذي يُسميه البعض الجانب الحيواني، كما أن المضمون قد لا يختلف عن هذا أيضاً!

لا أستطيع أن أقول شيئاً، سوى أن شكراً جزيلاً للكاتب الذي جعلني أسرع في كتابة هذا التقرير الذي سأتحدث به عن انحطاط مفهوم الثقافة في عصرنا واختزالها وتشويهها.

تتفق معي أننا نعيش في عصر أصبحت الثقافة فيه مُشوّهة ومُختزلة، ولكي تتأكد من ذلك أنظر إلى مدى انتشار عبارات من نمط (تزوّجها قارئة / تزوجيه يقرأ) ستجدها موجودة بشكل واسع أينما وَليت نظرك، لكن الخطأ الجسيم الذي أصبح الجميع يقع به هو الاختزال الخاطئ الذي يفعلونه! اختزال مفهوم الثقافة في القراءة فقط!

الذي يختزل الثقافة في القراءة كالذي يختزل العلم في الجامعة، والله في المعبد! جريمة في حق الثقافة أن تُختزل بالقراءة، فما بالك إن كانت القراءة تتمحور حول روايات مكتوبة بلغة عاميّة موجّهة لجمهور مُراهق لا يعلم من الثقافة سوى الحب والعشق!

القدماء قالوا أنّ الثقافة قراءة من باب الاختصار، لأن القراءة تعني تلقائياً أنك ستفهم ما تقرأ وتحلله وتحوّله لسلوك تنتفع به وتُفيد من حولك أيضاً. وليس مُجرّد مطالعة ببغاوية! القراءة ليست قراءة كلمات مُتراصة وابتسام لها! القراءة هي التي تغيّر، هي التي تُفيد، هي التي تخبطنا على رؤوسنا كما قال كافكا!

جريمة في حق الثقافة أن تُختزل في القراءة، وجريمة في حق القراءة أن تُختزل في المطالعة!

لا تتزوجها قارئة تزوجها ذكيّة تعرف ما تقرأ، لا تتزوجيه قارئ تزوجيه كاتب يدوّن لأجل هدف نبيل وقضيّة سامية، ليس كذلك الذي يبحث عن الشهرة وعن ازدحام الناس للحصول على توقيعه!

نحن إذن في عصر انحطاط الثقافة وتشوّه المفاهيم، والتي لعبت الروايات المُبتذلة السطحية دوراً أساسياً به، فقد تجد – للأسف – الروايات الأجنبيّة تصلح لأن تكون مرجع فكري وتاريخي واجتماعي، أما رواياتنا فلا تصلح سوى اقتباسات للبائسين كتبها مجموعة من التافهين في الأغلب.

كما تعوّدت في المقالات السابقة، لا أحب أن أعرض قضيّة دون أن أقترح حل، فأنا أمقت أولئك الذين يُشيرون إلى الجرح دون أن يُعطوك إبرة لكي تُخيطه! لذلك سأسرد عليكم بعضاً من الخطوات لمواجهة الحضيض الثقافي الذي وصلنا إليه، لكن في البداية علينا التعرّف على أنواع من الكتب هي السائدة في هذه الفترة، وهي الكتب التي لا تُفيد في شيء إطلاقاً – ربما تحت البطاطس المقلية لغبّ الزيت – والتي ستمنحك الغباء إن استمريت في مُطالعتها!

كتب بالمكتبة

النوع الأول: عندما تدخل الكاتبة سن اليأس

وتدخل حياتنا في جحيم لا يُطاق! الكتب بشكل عام والروايات بشكل خاص هي انعكاسات لشخصيّات كتّابها، فالرواية هي اسقاط نفسي لما يدور داخل الكاتب من مشاعر ولما مرّ به من تجارب، فالرواية الناجحة هي التي استطاع فيها الكاتب أن يحوّل مشاعره إلى كلمات!

لكن عندما تكون الكاتبة قد دخلت سن اليأس، وعندما تبدأ الهرمونات بلعب دورها يصبح القلم مجرد خشبة صدئة وتصبح الرواية مُجرّد هراء هرموني موجه نحو جمهور مُراهق ما زال في بداية طريقه!

هناك كاتبة شهيرة مختصة في أمور الرجال، أجري معها لقاء تلفزيوني مؤخراً، سألها المذيع لما تهاجمين الرجال ولكنك متزوجة؟ فقالت بأنها تكتب ما لا تقتنع به هي نفسها!

كانت الرواية تستخدم لمعالجة قضيّة، لإبراز تجربة إنسان من الصعب تكرارها، لإيصال فكرة وربما لإيقاف أخرى! لكن ليس لكتابة كلام لا يعتقد به صاحبه أساساً!

لكلام ربما هدفه الوحيد هو الاستفزاز والشهرة المصطنعة، والسبب وراءه كما قلنا هرمونات سن اليأس!

النوع الثاني: عندما يكون الكاتب مؤدلجاً

مُهم جدّاً أن تأخذ لمحة – ولو بسيطة – عن شخصيّة الكاتب وميوله قبل أن تقرأ له، فالكاتب المؤدلج يجب ألا يتواجد ضمن قائمتك للقراءة. وللتبسيط لكم، فإن المؤدلج من الكتاب هو ذلك الذي يملك عقيدة وتوجه مُسبق يُريد بكتابه أن يخدم توجهه ومسلكه فقط!

لنفترض أن هناك مؤرّخ يُحب نابليون لأن عقيدته تفرض عليه ذلك، عندها إذن لا تجده سوى يؤرّخ ويكتب كتباً لا تساير إلا هذا التوجه فقط! فيصبح نابليون هو العشق الأبدي له، فيكون بونابرت هو الفاتح العظيم في كتبه وكل من عاداه هو شيطان رجيم! وبالتالي ليس هناك موضوعيّة إطلاقاً، هناك أدلجة واضحة!

والعكس بالعكس، كاتب آخر يكره نابليون – لسبب ما – تجده يمسح به الأرض في جميع كتبه ويرفع أعداءه لرتبة قديسين فقط لأنهم أعداءه! وتستمر العجلة بالدوران بين طرفين لا ثالث لهما.

لربما ليس هناك موضوعيّة تامة مئة في المئة، لكن الأدلجة الظاهرة المُقرفة في بعض الكتب تجدها مُثيرة للغثيان حقاً، فحاول أن تبتعد عن هؤلاء بمختلف مذاهبهم وتوجهاتهم.

النوع الثالث: ما كُتب بالعاميّة

غلاف كتاب مطلوب حبيب

يتحجج بعض الكتّاب الجدد بأن اللغة العاميّة أسهل للوصول للقارئ مُبررين بذلك سبب كتابتهم بالعاميّة، لكني أجد سبباً آخر لربما يكون أفضل وهو أنهم بالأساس لا يجيدون كتابة الفصحى، الفصحى العادية على الأقل وليست تلك التي تكلّم بها المتنبي وامرؤ القيس!

عندما نريد من أحد أن يحب القراءة وتصبح عادة لديه، لا ننقص من مستوى الثقافة المتمثلة بالكتاب – في أحد جوانبها – ونجعله بلغة ساذجة لأجل سهولة الوصول إليه! بل نرفع من وعي الناس ومن لياقاتهم لكي يرتقوا لمرتبته!

هل يُعقل أن أحداً يُريد أن يصبح مثقفاً لا يفهم لغته! تباً لذلك الجمهور الذي يقرأ بالعاميّة لأنه لا يفهم لغته أو يراها صعبة!

والأدهى من هذا أن تجد بعض المتنطّعين يمشون باختيال لأنهم قرأوا عدّة كتب وروايات بلغة عاميّة ساذجة! غير مُدركين أن هذه (الخربشات) لا تُسمن ولا تغني من جوع!

هناك قاعدة أؤمن بها منذ زمن وهي أنّ المعرفة الحقيقيّة لن تجدها إلا في الكتب الصعبة! لربما هناك بعض المتحذلقين الذين يلعبون على وتر المترادفات والمصطلحات لكن بشكل عام الأمر صحيح، الكتب الصعبة هي التي تحوي المعرفة بين دفّاتها!

صدقني الكتاب الذي يبوح لك بأسراره دفعة واحدة هو كتاب بسيط غير ذي فائدة، والرواية التي تكون بلغة عاميّة والتي تُكتب أساساً لكي تصبح فيلم هي رواية غير أصيلة!

النوع الرابع: غلاف جميل ومحتوى رديء

أعرف أنها قاعدة شكليّة، لكن – وللأسف – نحن نعيش في زمن المظاهر، زمن الشكليّات، زمن سادت فيه ثقافة الاستهلاك القائمة على الإثارة اللحظيّة. لذلك فإن أي رواية تحمل غلاف جميل لعينيك، فإنها – غالباً – ذات قيمة متدنيّة لعقلك!

النسبة عكسية بين الغلاف وبين المضمون، بين الدفة وبين المحتوى! جميل المنظر قبيح الجوهر، ولربما قبيح المظهر غني الجوهر! لعلل السبب في ذلك أن الكاتب يعلم مدى النقص والسطحيّة فيما كتبه فيعمد إلى الجذب البصري عندما تعجز كلماته عن جذب العقول!

لو كنت أعيش في القرن الماضي لربما لن أقول لك ما أقول، لكن الآن وبنسبة مصداقية قد تبلغ الـ 90% أقول لك، احكم بالفشل على الرواية من غلافها، لن أقول كتاب سيء لأن الكتّاب السطحيون لا يُجيدون كتابة سوى قصص الحب التي فشلت، فالكتاب منهم لبعيد والرواية لهم أقرب وأسهل!

النوع الخامس: الحب الذي صدّعوا رؤوسنا به

عدد الروايات التي تكتب سنويّاً عن قصص الحب أصبحت تفوق عدد المرات التي عبّر بها بان كي مون عن قلقه في الأمم المتحدة! عدد الروايات التي تتضمن الاقتباسات التي لا تخرج عن متلازمة كلمات (الحب /الضياع / الفقدالتخاذل) أصبح أمر لا يُطاق ومُستفزّ جدّاً.

على الرغم من أن هذا إن دلَ على شيء فهو على الفشل المجتمعي في منظومة التثقيف للحب والعلاقة بين الجنسين من الأساس، إلا أن العتب الأكبر يقع على دور النشر التي ترضى أن تنشر! أصبحت الدور لا تهتم إلا بعدد الطبعات والمردود الذي ستحصّله أما القيمة والفائدة فألف تباً لها وألف!

أجزم أن هناك روايات وكتب لا تُقرأ أساساً! تذهب للطبع فوراً! لأنها غير صالحة لمسح أرضيات المطبخ بورقها لشدّة سطحية الأفكار من جهة، ولشدّة الأخطاء الإملائيّة الموجودة من أخرى! كيف تفعل دور النشر هذه الجريمة!

هل مُسخ الجميع؟ هل أصبح الكاتب يهتم بالشهرة وعدد التواقيع فقط! هل أصبح الناشرون يهتمون بالمال! هل الكلمة رخيصة لهذا الحد! لماذا لم يعد لدينا ألوية فكريّة كغسان! لماذا أصبح كتابنا مُجرّد خردة معدنيّة صدئة بدون أي فائدة تُذكر، لماذا؟!

منذ صغري أرى أن الكاتب هو إنسان عظيم يجب أن نشعر تجاهه بالرهبة، لا أحد يُمكن أن يكون كاتباً بسهولة! حتى أني أحياناً أشعر بالخجل عندما أكتب مقال ما ويُعلق أحدهم قائلاً شكراً لك يا كاتب المقال! فأنا لا أعتبر نفسي سوى (مُخربش بالكلمات) فقط. مُجرّد إنسان يحوّل الأفكار إلى كلمات لكي تحقق فائدة لدى جمهور مثلما بعضه منُساق وراء ما هو سطحي فإن نسبة لا بأس بها مُنساقة وراء ما هو مفيد وقيّم فعلاً!

الكاتب هو خلاصة لتجربة ما، قيمة معينة يُريد تمريرها من خلال كلماته كما تمرر الكائنات الحية جيناتها! عصارة فكريّة وشعوريّة، وليس قيء فكري ذو رائحة نتنة تُثير في النفس ما تُثير!

 ظهر غلاف كتاب واي من لوف مزز

(واي مين لوف مزز) أتساءل لو رآه نجيب محفوظ ما الذي سيقوله! هل البلد الذي أنجب نجيب أنجب الآخر!

تحدثنا عن أنواع من الكتب الرديئة التي يجب تجنّبها، في الحقيقة يمكن القول أنّه لا يوجد كتاب رديء بالمعنى المطلق، فحتى هؤلاء يُمكن استخدامهم في اختبار صبرك ودرجة تحمّلك لأكبر قدر من الحشي والهراء الكلامي، لكن لو كنت من أصحاب الوقت الثمين فلا تضيّعه بها إطلاقاً!

والآن لنتحدث عن مجموعة من الطرق التي قد تفيدك في التعامل مع الكتب والقراءة بشكل عام.

1/ تباً لجميع تحدّيات الكتب

هناك لعنة مُنتشرة في مجتمعنا أسميها لعنة (ألهكم التكاثر). هذه اللعنة جعلت من العدد والتكاثر به هو المحور من كل شيء أما النوعيّة والفائدة الحقيقيّة والأفكار فلا قيمة لها أمام سلطة العدد التكاثريّة هذه!

وشكراً لمواقع النفاق الاجتماعي التي زوّدت سياسة (ألهكم التكاثر) بالقاعدة الصلبة لها. إذ لم تعد الفائدة العائدة من القراءة مهمة، ولا نوعيّة ما يُقراً أساساً. بل المهم هو التكاثر في العدد، المهم هو تحديات الـ 100 والـ 200 والـ 300. المهم أن تتكاثر بشكل جنوني اعتباطي لا فائدة فيه ولا قيم!

جميل، تفاخر بما تقرأ، لكن لا تقرأ لكي تتفاخر! لا ترفع العدد لكي تتباهى أمام الناس! لهذا أصبحت أكره مواقع التواصل، لأنها أعطت الفرصة للظهور بأحجام كبيرة غير مُستحقة! فهي أشبه بالشمعة، يقف أمامها الإنسان ليرى نفسه ظلاً ضخماً على الحائط، لكن هو في الواقع مجرد إنسان بسيط مُسطّح!

لا تصعد للأعالي كي يراك الناس، بل اصعد لكي ترى العالم الواسع أنت! لكي ترى أن الأفق كبير وأن هناك الكثير، وأن الإنسان مهما بلغ ما بلغ فهو صغير!

تباً لجميع التحديّات، ركّز على النوعية والاستفادة المرجوة من الكتب. وضعت في مخطط السنة الماضيّة 36 كتاباً فقط أنهيتهم جميعاً، والسنة الحالية وضعت 28 كتاب، 20 منها علمي، و7 تاريخي ورواية واحدة للعملاق ديستوفسكي!

لا تلتفت للقطيع، صدقني القارئ الحقيقي هو الذي يقرأ ما لا يقرأه الناس! لأن تفكيره غير تفكير الناس! لأنه يُريد أن يصل لمكان غير ما وصل إليه الناس!

لا يُلهيك التكاثر أبداً، التفت إلى عقلك وانظر إلى ما يُريد أن تملأه به، لا تحديات ولا أرقام ولا غيرها.

2/ الحصيلة الأكبر للكتب دوماً

علامة رواية

يُقال أنّ نسبة الروايات في حصيلة القراءة لديك لا يجب أن تتعدى الـ 10% إلا إذا كنت راوياً أو كاتب قصص فعندها الأمر يختلف، لكن إن أردت المعرفة والأفكار الحقيقيّة فستجدها في الكتب وبعض روائع الأدب العالمي، وليس ما هو شائع من الروايات!

العقل أشبه بمحرّك كهربائي وقوده الكتب لكنه بحاجة كل فترة إلى عمليّة (تزيّت) لكيلا يَصدأ، وزيت العقل هو الرواية فحاذر أن تجعل كل ما تقرأه زيت!

انتقِ الزيت الذي تُريد إنعاش عقلك به، فليس كل زيت زيت! فهناك ما هو مغشوش وهناك ما هو ضار قد يعطّل عقلك ويفسده!

فيكتور هيغو، صاحب الرائعة العالميّة (البؤساء) احتاج 15 سنة لكي يُنهي روايته الشهيرة، فما بالك بالذين يُنتجون 4 روايات في السنة! وكأن قلمه يتكاثر بالانشطار مثلاً!

10% فقط، وحاول أن تنتقي الزيت بدقة فليس كل زيت زيت، وليس كل راوي هو فيكتور هيغو!

3/ جائزة البوكر والتقييمات

قبل قراءتك لأي رواية أختر ما هو مُفيد حقاً وما هو مُتفق عليه من قبل شريحة المهتمين فعلاً من الناس، فاتفاق النقّاد على جودة رواية ما هو غالباً معيار حقيقي على الجودة، ولعلَ في الروايات التي حازت على جائزة البوكر خير دليل على ذلك.

جائزة البوكر، جائزة سنوية تُمنح لأفضل رواية عربيّة وهي فعلاً جائزة مُستحقة وذات مصداقيّة، وهي معيار قوي لكي تقرأ الرواية التي حازت عليها أو رُشحت لها. فحاول دائماً أن تقرأ ما حاز من جوائز أو رشح للبوكر.

وحاول أن تقرأ تقييمات القرّاء عما يقرأون، فموقع (الغود ريدز) وغيره وفّر هذه الإمكانيّة بشكل واسع فلا تتجاهل هذه الميّزة. لكن أرجوك ألا تقرأ كتاب لأنك رأيت غلافه جميل أو لأن عنوانه جذّاب! إياك!

هناك تقييمات وهناك جوائز، لا تكن سطحياً!


فرانز كافكا رُفضت روايته الشهيرة (المسخ) من قبل عدّة دور قبل أن يتم نشرها وتكون الصاعقة بأنها من روائع الأدب العالمي! ديستوفسكي كان يكتب في أقسى ظروف مُمكن أن تتخيلها على الأطلاق! إنسان كتب  لكي يُعيل أطفاله كان ديستوفسكي!

جي كي رولينغ مؤلّفة سلسلة هاري بوتر عاشت حياة بائسة ورفضت دور نشر عديدة رواية هاري بوتر ومن  ثمّ تمت الموافقة على النشر لتخرج سلسلة الخيال التي لا يوجد أحد لم يتعلّق بها وبأبطالها! ولتصبح هي بذلك أول كاتبة تصل ثروتها المليار دولار!

عباس محمود العقاد قرأ 40 ألف كتاب لكي يستطيع أن يؤلف ما أنتج من كتب! الرافعي أعتزل الناس لكي  يجد مناخاً ملائماً لما يكتبه. غسان كنفاني قدّم روحه لأجل القضيّة، فكان لواءً فكرياً مسلحاً!

لربما غسان مات لكن قضيته ما تزال، فالإنسان يموت لكن الفكرة لا تموت!

وبعدها تجد رواية بعنوان (واي مين لوف مزز) تحتل الساحات وتُطبع عدد من المرات والجمهور يحتشد، والناس تنبهر، وألهكم التكاثر وألهكم السخف وألهكم من السطحيّة ما ألهكم!

في هذه اللحظة لن تستطيع أن تقول سوى أننا في عصر انحطاط الثقافة، أو لربما عصر القرود كما سمّاه الأديب المصري الراحل مصطفى محمود.

لكَ الحرية دائماً في أن تختار ما تُريد، اقرأ ما تشاء واكتب ما تُحب، لكن تبقى الثقافة مفهوم واسع لا يُمكن اختزاله بالكتب فقط! ومن يفعل ذلك كمن يختزل العلم بالجامعة! فما بالكم بمن اختزل الثقافة في روايات مُسطحة لا ترقَ لمستوى مسودّات! وظنّ نفسه مثقفاً! وأصبح من يقرأ له يمشي مختالاً كالطاووس لأنه أصبح قارئاً نهماً!

كان غسان لواءً فكرياً مسلحاً، من العار أن نتجاهل الألوية ونلهث وراء الخردة! عار حقاً أن نستغني عن الذهب ونستبدله بالحديد الصدأ.